أوجه محاربة الارهاب وضرورات الحوار بين الغرب والعالم الاسلامي:
ألثلاثاء 13-09-2005.

 

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين -

على مدى خمس سنوات، كانت وجهة نظري ان النضال العالمي ضد الارهاب لا يمكن ان يتم بالوسائل العسكرية وحدها، فهو، اضافة الى الجهد العسكري، جهد اخلاقي وفكري واجتماعي ايضا، فكي يتسنى لنا هزيمة اولئك المتطرفين، علينا ان نقاوم جهودهم لخلق صراع وصدام بين الحضارات، قد يؤديان الى احداث شرخ بين ذوي النيات الحسنة واضعاف مسيرة التقدم نحو تحقيق السلام والازدهار، وعلينا جميعا ان نتقبل المسؤولية لرفض الكراهية والجهل والعنف وهذا يتطلب حوارا مخلصا متصلا بين الغرب والعالم الاسلامي.

وفي نطاق مثل هذا الجهد، سنجتمع اليوم، زوجتي جلالة الملكة رانيا وأنا، الى قداسة البابا بندكتوس السادس عشر، وستكون محادثاتنا بمثابة دفعة الى الامام نحو حوار ايجابي بين ديانتينا يحترم فيه كل طرف الطرف الآخر، وفي الواقع ينخرط الاردن بصورة معمقة في مثل هذا الحوار التاريخي، وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني، الذي بدأ حجه بمناسبة يوبيله الفضي في عمان، دعانا الاخوة الذين ينتسبون الى ابراهيم وبلدنا الاسلامي وطن لمجتمع مسيحي عربي يمتد تاريخه الى الفي عام، وأفراد شعبنا، معا، بمثابة فرد واحد في تعاضدهم واسهامهم في حيوية بلدنا، ومستقبلها، وفي السعي لاحلال السلام فيها.

ان الحرية الدينية التي كفلها الدستور في الاردن تعبر عن القيم العربية الاسلامية الاساسية ـ الدعوة الى احلال السلام، واحترام الآخرين، والوصية بالعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا هو صوت الاسلام الذي تعلمه الناس ومارسوه على مدى ما يزيد على ألف عام، وهو نقيض الايديولوجية الجاهلة التي تضج بالكراهية وتطلقها السنة العناصر المتطرفة في ايامنا هذه، ان غالبية المسلمين اليوم مصممون على استعادة دينهم التاريخي، ورسالة عمان التي اطلقت في شهر تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، تعيد طرح تعاليم الاسلام فيما يتصل بالخضوع لله، والتساوي في الكرامة بين جميع الناس، والتعاطف والتكافل، والتعددية، وهي تدين التطرف والارهاب باعتبارهما انحرافا عن الاسلام ومخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه.

ان هذا الجهد وغيره من الجهود، تسعى جميعها لتوحيد اصوات الاعتدال، التي تشكل في الواقع الغالبية العظمى من المسلمين هنا في ايطاليا، وفي الاردن، وفي جميع ارجاء العالم، وقد نهض علماء الدين المسلمون البارزون في اوروبا والشرق الأوسط الى ادانة الارهاب بصورة حاسمة منوهين بأن واجب المسلمين العمل على حماية الابرياء، واستضاف الاردن في شهر تموز / يوليو المؤتمر الاسلامي العالمي الاول، وـشارك فيه ما يزيد على 170 من العلماء والخبراء من السنة والشيعة، من اكثر من 40 بلدا، من بينها العديد من الدول الاوروبية، وقد اكد المندوبون المشاركون القيم الاساسية التي بسطتها رسالة عمان واتخذوا اجراءات محددة لوقف الاساءات الى ديننا.

ان الاسلام لا يعزل المؤمنين به خلف جدران الكراهية والفرقة، فهو يشجع اهلنا على المشاركة مع جميع بني البشر في المسيرة العالمية للتقدم والسلام، وقد تقيد الاردن بهذا الالتزام، اذ لعب بلدنا دورا رئيسيا في جهود السلام الاقليمية ونحن نشعر بالسعادة لقيام ايطاليا بدعم دورنا البناء، واليوم، وبدعم ايطالي من خلال اللجنة الرباعية والدول الصناعية الثماني اصبح لدينا خريطة طريق للسلام في النزاع العربي ـ الاسرائيلي، وتوفر خريطة الطريق التي تستند الى المبادرات الريادية للسلام التي اعلنت عنها الدول العربية في قمة بيروت للقادة العرب عام 2002 حلا شاملا يقوم على وجود دولتين، وهو النمط الوحيد للسلام الذي يمكن ان يدوم، دولة فلسطينية ذات سيادة، ديمقراطية وقابلة للحياة، وضمانات أمنية لاسرائيل وعملية تؤدي الى تسوية تشمل المسارين السوري واللبناني، علينا ان لا نسمح لأعداء السلام ان يوقفوا هذا الجهد البالغ الأهمية.

ويعمل الاردن وايطاليا معا ايضا لتحقيق الاهداف الاقليمية الاخرى، فبلدانا ملتزمان بالأمن واعادة الامور الى طبيعتها في العراق، وفي نطاق هذا الجهد، استشعر الاردنيون بعمق تضحيات بلدكم النبيلة، ونتعاون ايضا في الاصلاح والتنمية الاقليميين، فمن الاهمية بمكان بالنسبة للسلام العالمي، ان يتمكن الناس في الشرق الاوسط وخاصة جيل الشباب لدينا، من الاـشتراك في ما يحمله هذا القرن من وعد الحرية والازدهار، وقد عمل الاردن من اجل هذه الغاية على تأسيس انموذج غير مسبوق للاصلاح والتقدم الاقليميين، ونحن نقوم باحداث تغييرات هيكلية لبناء الحياة السياسية الديمقراطية، وتجذير حقوق الانسان وتوفير امكانية الوصول الى الفرص المتاحة على جميع المستويات في المجتمع، وفي مجال الاقتصاد شجعنا الابداع وعززنا البنية التحتية التربوية والاجتماعية لتشجيع التنمية والنمو، وكانت ايطاليا شريكا تجاريا يحظى بالأولوية ونحن ممتنون لدعم بلدكم المستدام للتنمية في بلدنا والمنطقة.

كما لعبت ايطاليا دورا بالغ الاهمية في الامم المتحدة وفي نطاق اجتماعات الدول الصناعية الثماني، لدعم تقديم المساعدات الدولية وخفض الديون للدول ذات الدخل المتوسط مثل الاردن، التي برهنت على وجود الارادة لديها للسير قدما فيما تنهض به.

علينا ان نعمل معا لاحداث التغيير العالمي الايجابي الذي يسعى بلدانا لتحقيقه، وتعكس الشراكة بين الاردن وايطاليا صداقة قوامها المثل التي نشترك فيها معا، اضافة الى المستقبل المشترك.

وأعتقد اننا بعملنا معا يمكننا ان نساعد في تحقيق السلام والأمن اللذين يحتاجهما ويستحقهما بلدانا، وجميع الناس.

* نشر في صحيفة كورييرا ديلاسيرا الايطالية في عددها الصادر يوم 12-09

 

(جريدة الرأي)

Go Back
2000 - 2006 Embassy of Jordan, Den Haag, The Netherlands. All rights reserved.